مؤشرات فاعلية منظمات المجتمع المدني
2010
كيف نقيم أداء منظمات المجتمع المدني؟ الإجابة عن هذا السؤال تتسم بأهمية كبيرة، وبنفس القدر فإن التوصل إلى الواقع يتسم أيضا بالتعقد، ومن ثم فإنه يحتاج إلى جهود نظرية وميدانية ضخمة، لا يستطيع الباحث الفرد أن يقوم بها، دون فريق عمل مساند، يعكس مختلف التخصصات، يتبنى اقترابا شاملا، ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. في هذا السياق، تبنى الكاتب في إطار الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، برنامجا علميا بدأ عام 2007، ركز في مرحلته الأولى على تقييم أداء منظمات المجتمع المدني وإبراز خصوصية تقييم العمل التطوعي، غير الهادف للربح، ويسعى للنفع العام.. هذه الخطوة قادتنا إلى إعداد كتيب معرفي مبسط، ثم دليل لتدريب الجمعيات والمؤسسات الأهلية، لتقييم أدائها ونتائج عملها، مقارنة بالأهداف التي تتبناها. هذه الجهود البحثية في مرحلتها الأولى، أبرزت بقوة ووضوح شبه غياب لمفهوم التقييم بمعناه العلمي، وأن الغالبية من منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية- تفتقد إلى التخطيط الاستراتيجي، والاستدامة، والتراكم في عملها وجهودها، وأن المجتمع المدني مازال في القطاع العريض منه- يستند إلى "حُسن النوايا"، والرغبة في المشاركة والخدمة العامة، لكنه لا يتوقف لتقييم دوره وإسهامه، بشكل علمي وجماعي، من شأنه النهوض الفعلي بمنظمات المجتمع المدني... توصلت هذه الدراسات أيضا، في مرحلتها الأولى، إلى أن التقييم للمنظمة أو أحد برامجها أو مشروعاتها، غالبا يتم حين يكون المانح أجنبيا... بمعنى آخر لقد بدا لنا أن مبادرة المنظمات ذاتها بتقييم أدائها وإسهامها، واستنادا إلى منهج علمي واضح (سواء كان التقييم تشاركيا من داخل المنظمة أو من خارجها)، هو أمر يتسم بالقصور.. عشرات ومئات من منظمات المجتمع المدني، التي تمت دراستها ميدانيا في مصر، لا تتبع منهجا علميا ودوريا للتقييم، بل إن البعض يرى نفسه "خارج المساءلة" باعتباره يوصف بأنه عمل تطوعي، والبعض الآخر يعلق غياب التقييم على محدودية الموارد، أو عدم استدامتها. وفي إطار المقارنة بين عينة منظمات المجتمع المدني في مصر، ودول عربية أخرى بخصوص مدى الاهتمام بالتقييم- جاءت مصر في الترتيب الثالث (وهو ترتيب متأخر بالفعل) بعد لبنان والأردن... هناك بالفعل فجوة معرفية ضخمة تواجه منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية على وجه العموم، وتحتاج إلى جماعة أكاديمية نشطة، تأخذ على عاتقها نشر المعرفة والتدريب معا، وتتواصل مع التطور العالمي العلمي غير المسبوق في هذا المجال البحثي. ومن هنا كانت الخطوة التالية الصعبة والأكثر تعقيدا، التي تصدى لها الكاتب، بمساندة فريق من الباحثين والاستشاريين.. تمثلت هذه الخطوة والتي اعتبرها خطوة شجاعة- في الإجابة عن سؤال رئيسي، وهو: ما مؤشرات فعالية منظمات المجتمع المدني؟ تفرع عن ذلك كيف نستفيد من جهود مراكز بحث عالمية في هذا المجال، وفي الوقت نفسه ننطلق من واقعنا بكل خصوصياته؟ ما الأوزان النسبية للعوامل التي تؤثر على فعالية منظمات المجتمع المدني؟ مهم هنا، وفي دراسة ضخمة كهذه، أن نأخذ في اعتبارنا البيئة الثقافية المجتمعية، والبيئة السياسية والتشريعية، ثم طبيعة المبادرات الوطنية، والمحددات المختلفة التي تتحرك منظمات المجتمع المدني في إطارها. إن مشروع الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، لبناء مؤشرات لقياس فاعلية منظمات المجتمع المدني، هو المشروع الأول من نوعه في المنطقة العربية، والثالث على المستوى العالمي، وهو بحق مصدر فخر للجماعة الأكاديمية المصرية والعربية التي شاركت فيه.. إن مؤشرات قياس فاعلية منظمات المجتمع المدني، تنتقل بنا "نقلة نوعية" من مرحلة التعميم، وإطلاق مقولات عامة نظل نرددها (ثم نصدقها) إلى مرحلة علمية موضوعية، تتوافر فيها مؤشرات محددة، تم تصنيفها إلى مجموعات ثلاث، وتضم جميعها ستة عشر مؤشرا، يقيس الوضع الحالي للمنظمة، ويدخل في أعماق المجتمع المدني، الذي هو بحق "ظاهرة اجتماعية بامتياز"... هو جزء لا يتجزأ ولا ينفصل عن السياق العام، في القيم والثقافة والإشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع ككل. إن منظمات المجتمع المدني، التي سعى فريق البحث لاختبار فاعليتها من خلال المؤشرات، قد سمحت لنا عند تحليل ورصد النتائج، أن نصل إلى أنها ذاتها تعاني من غالبية المشكلات، التي تسعى وتعلن أنها تستهدفها، لتحقيق التغيير... من ذلك ما كشف عنه مؤشر الممارسة الديمقراطية من قصور في الممارسات، وما كشفت عنه مؤشرات الثقافة والقيم، من الميل إلى العمل الفردي، وضعف العمل الجماعي، وما كشف عنه مؤشر الحكم الرشيد من ضعف الاحتكام إلى قواعد القانون، ومحدودية دور الجمعية العمومية (باستثناء لحظات الانتخاب)، وضعف المؤسسية، ومشكلات الإدارة والتخطيط، والثقة المحدودة في الشبكات والتشبيك. وقد يكون من المهم في هذا السياق، الإشارة إلى عدة أمور تتعلق ببناء المؤشرات التي تختبر فاعلية المجتمع المدني... أولها: أن القياس يدخل في قلب عملية التقييم لكنه يتخطاها، لأنه يستند إلى مؤشرات تتسم بالثبات النسبي، ولا ترتبط "بلحظة" أو "حدث".. ومن ثم فإن المؤشرات نعتمد عليها في المقارنة عاما بعد عام، وتتسم بقدر كبير من المرونة، مما يسمح لنا بالتعرف على التطور في منظمات المجتمع المدني. ثانيها: أن التطبيق الميداني للمؤشرات في مصر تحديدا، قد طرح أمامنا "حالة من التنوع" في المنظمات، ليس فقط من منظور الحجم أو القدرات البشرية أو أنماط النشاط، وإنما حالة من التنوع من منظور ما هو تقليدي من هذه المنظمات، وما يسعى منها إلى التحول والحداثة، وما نجح منها بالفعل في التطور في اتجاه ممارسات إدارية، وتنظيمية، وتكنولوجية متقدمة إلى حد كبير، وتخطت الاتجاه العام السائد. ثالثها: أن القياس استناداً على مؤشرات، يسمح لنا وفقاً للأدبيات، أن نحدد المصاعب أو العوائق التي تؤثر سلباً على أداء منظمات المجتمع المدني، ولكن في إطار منظومة شاملة.. هنا تأتي أهم النتائج للدول محل البحث (مصر، اليمن، لبنان، المغرب، الإمارات)، وهي أن التشريع قد أتى في المرتبة الرابعة ( وليس الأولى التي تتردد دائماً بين نشطاء المجتمع المدني) كعامل يؤثر سلباً على فعالية المنظمة. يسبق التشريع الموارد البشرية والمهارات والفكر الخلاق، ثم التمويل، وضعف ثقافة التطوع..إذن أصبحنا نواجه قضايا تتعلق بالبشر، وهي مخرجات العملية التعليمية، وأصبحنا نواجه قضية بناء قدرات هؤلاء البشر، بشكل علمي وجاد يتفق مع طبيعة القطاع.. رابع الأمور: التي ننبه لها، من خلال هذا العمل العلمي الضخم (الذي شارك فيها 15 من الخبراء والاستشاريين العرب) هو التناقض الذي نلمسه في أطروحة بناء الثقة بين المجتمع المدني والدولة.. فهناك ميراث تاريخي طويل، لعلاقة الشك وعدم الثقة، ما بين المجتمع المدني والدولة.. هذا في الوقت الذي كشفت فيه النتائج الميدانية، عن شراكة في أشكال مختلفة- ما بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني، بل إن الأخيرة ترى أن الدولة عليها أن تقدم دعما ماليا أكبر للجمعيات، وهو مطلب قد يتناقض مع الاستقلالية.. وبالطبع كان هناك دائما تنوع واختلاف في الواقع وفي الرؤية لوزن المؤشرات التي تتعلق بالبيئة السياسية والتشريعية، فالمنظمات الحقوقية، على سبيل المثال، تأتي في أغلب الأحوال لتركز على التأثير السلبي لمجموعة مؤشرات البيئة السياسية والتشريعية، رغم أن وزن المؤشرات التي تتعلق بالبيئة الثقافية والاجتماعية، كان متقاربا. الخلاصة أننا أمام مشروع علمي ضخم، يطرح نتائج من قلب الواقع، تجعلنا على قناعة أن المجتمع المدني وهو يبحث عن الإصلاح والتغيير على المستوى القومي، هو يعاني بدرجات مختلفة من نفس "أمراض المجتمع وأمراض السياسة"، وأن علينا تجسير الفجوة بين المعرفة والواقع، وأن نعتمد على العلم وليس التعميم والمقولات العامة.. هنا دور مهم لابد أن تلعبه الجامعات ومراكز البحث، لتقديم المعرفة وتبسيطها، والانتقال بالكوادر البشرية العاملة والنشطة في هذا القطاع، نحو مزيد من المهنية والاحتراف، واحسب أن "التميز المهني"، والذي يرتبط بالطبع بعملية تدريبية وتأهيلية، وميثاق أخلاقي، هو "المخرج" لأزمات عديدة نعاني منها، خاصة إن كنا نحن في المجتمع المدني- أول من يسعى لمواجهتها. وعلى الجانب الآخر، فإنه من المهم السعي نحو إحداث تغيير ثقافي وقيمي على المستوى المجتمعي من جهة، وعلى مستوى العاملين في الجهات الحكومية من جهة أخرى، وهي تلك التي تتفاعل مع منظمات المجتمع المدني. فقد بدا من النتائج، أن العقلية "البيروقراطية" تحتاج إلى بعض التحرير والمرونة، وأن الممارسات لا تتأثر سلبا بالتشريع، وإنما هي محصلة بيئة ثقافية واجتماعية وسياسية تتسم بالشمول.
completely free