أي دور يلعبه المجتمع المدني؟
2011
يأتي هذا العمل في خاتمة العقد الأول من الألفية الثالثة، ليقدم قراءة نقدية للخطاب الأكاديمي والسياسي الذي ساد رؤية دور المجتمع المدني في عملية الإصلاح (الاجتماعي والاقتصادي) وفي التحول الديمقراطي، والذي اتسم "بالمبالغة الشديدة" في صياغة التوقعات المتوخاة من المجتمع المدني. هذا العمل يراجع افتراضات ومقولات، هيمنت على الخطاب الأكاديمي والسياسي، عن المجتمع المدني، وقد حان الوقت لمراجعتها بشكل علمي وموضوعي، وبعد سنوات من انشغالنا بالكشف عن الظاهرة- أي المجتمع المدني الذي هو ظاهرة اجتماعية بامتياز- وذلك من منظور العمق التاريخي، واتجاهات النمو، والأنماط ومجالات النشاط.. وكانت البداية في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، حين توجهت الكاتبة والجماعة الأكاديمية نحو دراسة المجتمع المدني وتحليله، والكشف عن أبعاد الظاهرة، وبرزت مدرسة جديدة في العلوم الاجتماعية (تتخطى الاهتمامات التقليدية في الخدمة الاجتماعية)، تعنى بالأبعاد السياسية (تفاعل المجتمع المدني مع الدولة)، والأبعاد الاجتماعية والاقتصادية (الإسهام في التنمية البشرية)، وأبعاد أخرى ثقافية وتاريخية كان لها تأثير كبير فيما يعرف "بالخريطة المعرفية للمجتمع المدني". وخلال خمسة وعشرين عامًا تقريبًا، تحقق تراكم معرفي، معني بالمجتمع المدني في مصر وفي المنطقة العربية، وتوافر لدينا جماعة أكاديمية عربية توجه اهتمامها للموضوع، وتتبنى اقترابات شاملة، ومنظورات ورؤى مختلفة. ونصل إلى عام 2010- نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة- حيث أصبح لدينا تراكم معرفي جيد من ناحية، وواقع شهد تغيرات، ومتغيرات كبرى، ليس من بينها "مجتمع مدني صحي"، أو "تحولات ديمقراطية كبرى" أو "تعددية" بالمعنى الليبرالي الذي يبشرنا بالتسامح وقبول الآخر والإدارة السلمية للاختلافات واحترام الرؤى والثقافات الأخرى. هنا نقول: لابد من "وقفة تقويمية"، تسعى إلى مراجعة المشهد بأكمله في العقد الأول من الألفية الثالثة.. لابد من "مراجعة نقدية" تستهدف التجديد الفكري، واستيعاب فكرة أن المجتمع المدني في مصر والمنطقة العربية، لم يحقق التوقعات المرجوة- التي اتسمت بالمبالغة- في الإسهام في التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي.. إننا لا نسعى إلى رصد "إخفاقات"، لأن المؤشرات الكمية والكيفية ذاتها عن المجتمع المدني، تشهد أغلبها تطورات ومظاهر نمو مختلفة، ولكننا نحاول الإسهام في حركة التجديد الفكري الحالية، التي تهتم بالمشهد بأكمله، وتولي جُل جهدها للتفاعلات بين كل الأطراف، وفي سياق ثقافي واجتماعي واقتصادي وسياسي محدد، يصعب عليه أن "يستورد" نظريات وأفكارًا ورؤى، حين يتعلق الأمر بظاهرة اجتماعية بامتياز.. وفي مطلع عام 2011 وقبل نشر هذا العمل- تحقق كثير من الفرضيات التي يطرحها الكاتب، حيث يقود الشباب العربي فيما يشبه المعجزة- ثورات شعبية تستهدف الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، عبر التواصل الإلكتروني على صفحات الـ Facebook، ليتجاوز هذا المجتمع المدني الافتراضي، قدرات وإمكانات منظمات المجتمع التقليدية، والتي أخفقت في استقطاب الشباب. ويصبح الآن أحد الأسئلة المهمة: هل يمكن استيراد التعددية والديمقراطية والإصلاح، اعتمادًا على بنية أو بُنى تنظيمية قد لا تتوافر بداخلها القيم والثقافة كوقود لتحريكها؟ والأكثر من ذلك: هل توافر هذه البنية- أي منظمات المجتمع المدني- وافتراض توافر الثقافة المدنية فيها، يمكن أن يؤثر في الديمقراطية ويسهم بشكل رئيسي في الإصلاح المنشود؟ وهل يمكن التوصل إلى انعكاسات فاعل واحد فقط هو المجتمع المدني- على الإصلاح والديمقراطية؟. نحن في إطار هذا العمل- نعيد النظر في المقولات العامة والفرضيات، التي تطرح تعميمات عن المجتمع المدني، القادر على التأثير في المسار الديمقراطي وفي التنمية البشرية، بشكل مستقل.. ونسعى إلى تحليل الأدوار الفعلية للمجتمع المدني، وفي ضوء خريطة معرفية، ترسم لنا الواقع كما هو.. نجتهد في هذا العمل وبقدر الإمكان، لتجديد الفكر العربي وإعادة توجيهه نحو قضايا مركزية تحتاج إلى جهود الجماعة الأكاديمية.. نجتهد أيضا وبعد نجاح الثورة الشعبية في مصر وتونس والتي قادها الشباب، في تلمس ملامح العلاقات والتفاعلات المستقبلية، بين هذه القوى الجديدة الفاعلة وبين منظمات المجتمع المدني... ويصبح السؤال عن أي دور يلعبه المجتمع المدني؟، مشروعا للغاية لصياغة ملامح المستقبل: الحرية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية. يضم الكتاب بين دفتيه خمسة فصول، ويتطور عبر 187 صفحة، ليناقش ويحلل الأطروحات المتعددة لأدبيات المجتمع المدني، وعلى وجه الخصوص تلك التي أصدرتها الشبكة العربية للمنظمات الأهلية منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى عام 2011، حيث أن أغلبها اعتمد على أدوات ميدانية وبشكل مقارن، وغطى غالبية الدول العربية. يأتي الفصل الأول بعنوان "المجتمع المدني والتجديد الفكري في مواجهة المتغيرات الكونية"، والذي يعنى ببلورة ملامح المشهد العام الذي ينشط فيه المجتمع المدني في اللحظة التاريخية الحالية. ينتقل بنا الفصل الثاني نحو رصد التطور الذي لحق بأدبيات المجتمع المدني منذ عام 1990 وحتى عام 2011، مع تقديم قراءة نقدية لهذه الأدبيات، يتوجه الفصل الثالث نحو صياغة خريطة لمنظمات المجتمع المدني العربي وما تحمله من دلالات، وذلك تمهيدا للإجابة عن السؤال الذي يطرحه الفصل الرابع وهو أي دور تلعبه هذه المنظمات؟. أخيرا يحمل الفصل الخامس من الكتاب قراءة للمشهد العام للمجتمع المدني في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية، تسعى فيها الكاتبة نحو تلمس ملامح الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في عملية تشاركية متعددة الأطراف، لصياغة المستقبل.
completely free